الرؤية- سارة العبرية
تؤكد خلود بنت خميس الحضرمية أخصائي أول استثمار تقني بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، أن استضافة مسقط للنسخة الثانية من قمة التنفيذيين لأشباه الموصلات، مثّلت دلالة واضحة على انتقال سلطنة عُمان إلى موقع الشريك الموثوق في الحوارات العالمية المرتبطة بسلاسل توريد الرقائق، مشيرةً إلى أن هذا ما أكده اختيار مسقط مجددًا لاستضافة هذا الحدث الدولي؛ باعتبارها أحد أهم المناطق المهيئة لقيادة الصناعة العالمية في هذا المجال، نظرًا لحيادها الجيوسياسي، وقدرتها على توفير بيئة آمنة وجاذبة للحوار والاستثمار طويل الأمد في أحد أكثر القطاعات حساسية وأهمية في الاقتصاد العالمي.
وتقول الحضرمية- في حوار لـ"الرؤية"- إن سلطنة عُمان تشهد بدايات تحول حقيقي ومدروس في مراكز صناعة أشباه الموصلات، وليس مجرد توسع لوجستي مؤقت؛ إذ إن التحديات التي واجهت سلاسل التوريد خلال السنوات الماضية، إلى جانب تصاعد التنافس الجيوسياسي، دفعت الشركات العالمية إلى إعادة التفكير في نموذج التمركز الجغرافي التقليدي، والبحث عن أسواق جديدة تتمتع بالاستقرار والمرونة، موضحة أن الدور بدأ يتوسع تدريجيًا ليشمل مراحل ذات قيمة مضافة أعلى، مثل التصميم والتغليف والاختبار وبناء مراكز بحث وتطوير، خاصة في الدول التي تمتلك رؤية واضحة، وبنية أساسية داعمة، وسياسات منفتحة على الشراكات طويلة الأمد.
وتلفت الحضرمية إلى أن هذا التحول يتم بشكل تدريجي وانتقائي وفق جاهزية كل دولة وقدرتها على مواءمة العوامل التنظيمية والبشرية والطاقة مع متطلبات هذه الصناعة المعقدة، ولذلك فإن المنطقة انتقلت من الدور اللوجستي البحت إلى مرحلة بناء الأسس الفعلية للمشاركة في منظومة أشباه الموصلات العالمية، موضحة أنه في ظل تصاعد التنافس الجيوسياسي على الرقائق الإلكترونية، تتجه الشركات العالمية إلى إعادة صياغة استراتيجياتها بشكل جذري لتقليل المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد، ويبرز في هذا السياق التحول من نموذج الاعتماد على مركز واحد إلى تنويع جغرافي مدروس للإنتاج والعمليات، بما يحد من تأثير الصدمات السياسية أو الاقتصادية المفاجئ، كما تعمل الشركات على فصل بعض حلقات سلسلة القيمة، مثل التصميم، والتصنيع، والتغليف، والاختبار، وتوزيعها على مواقع متعددة تتسم بالاستقرار والموثوقية، إلى جانب بناء شراكات طويلة الأمد مع دول وأسواق تُعد محايدة سياسيًا وقادرة على توفير بيئة تنظيمية واضحة ومستقرة.

وترى الحضرمية أن المرونة التشغيلية باتت عنصرًا استراتيجيًا أساسيًا، من خلال زيادة المخزون الاستراتيجي وتعدد الموردين والاستثمار في التقنيات الرقمية لإدارة المخاطر والتنبؤ بالاضطرابات، فبتالي فإن الشركات لم تعد تبحث فقط عن خفض التكاليف، بل عن تقليل عدم اليقين وبناء منظومات أكثر توازنًا واستدامة في عالم يشهد تغيرات متسارعة.
وتشير الحضرمية إلى أن عُمان تمتلك مجموعة من المقومات الاستراتيجية المتكاملة التي تؤهلها لتكون جزءًا فاعلًا في منظومة أشباه الموصلات العالمية، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي الفريد الذي يربط بين أسواق آسيا وأوروبا وإفريقيا، ويمنحها ميزة تنافسية في تسهيل حركة سلاسل التوريد بعيدًا عن الممرات المزدحمة أو عالية المخاطر.
وتوضح أن سلطنة عُمان تتمتع بقدرة مستقرة ومتنامية في مجال الطاقة، مع توجه واضح نحو تنويع مصادرها، بما في ذلك الطاقة المتجددة، وهو عنصر حاسم لصناعة تتطلب موثوقية عالية في الإمدادات وكفاءة في استهلاك الطاقة، كما تشكل الموانئ العُمانية الحديثة والمتصلة عالميًا، مثل موانئ الدقم وصحار وصلالة، ركيزة أساسية لدعم الخدمات اللوجستية المتقدمة المرتبطة بصناعات التقنية العالية؛ إلى جانب أن عُمان تنعم باستقرار سياسي وبيئة تنظيمية واضحة وانفتاح على الشراكات الدولية، فضلًا عن وجود مناطق اقتصادية خاصة قادرة على استيعاب أنشطة صناعية وتقنية متقدمة، وأن كل ذلك يُشكِّل أساسًا يتيح للسلطنة التحول من دور داعم إلى دور أكثر فاعلية ضمن سلسلة القيمة العالمية لأشباه الموصلات.
وتشير أخصائي أول استثمار تقني بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، إلى وجود إمكانية حقيقية وواعدة لقيام استثمارات فعلية في مراحل متقدمة من سلسلة قيمة أشباه الموصلات، وعلى رأسها التغليف والاختبار، والتوسع إلى بعض أنشطة التصنيع المتخصص، سواء في سلطنة عُمان أو في المنطقة عمومًا؛ إذ إن التحولات المتسارعة في سلاسل التوريد العالمية، ورغبة الشركات في تقليل الاعتماد على مراكز تقليدية محدودة، خلقت طلبًا متزايدًا على مواقع جديدة تتمتع بالاستقرار والجاهزية والرؤية طويلة المدى، موضحة أن عُمان مقومات تنافسية تجعلها مؤهلة لاستقطاب هذا النوع من الاستثمارات؛ بدءًا من البنية الأساسية واللوجستية المتقدمة، مرورًا بإمدادات الطاقة الموثوقة، ووصولًا إلى البيئة التنظيمية الداعمة والمناطق الاقتصادية المتخصص، كما إن التركيز على مراحل مثل التصميم والتغليف والاختبار يُعد مدخلًا استراتيجيًا ذكيًا لبناء منظومة صناعية مستدامة، يتيح نقل المعرفة، وتطوير الكفاءات الوطنية، وجذب استثمارات لاحقة ذات قيمة أعلى، وأنه مع نضج هذه المنظومة وتكامل الشراكات الدولية يمكن لسلطنة عمان أن تتدرج بثقة نحو أدوار صناعية أكثر تقدمًا، لتصبح شريكًا فاعلًا في منظومة أشباه الموصلات العالمية.
وتذكر الحضرمية أن الشركات العالمية لا تبحث عن وجهة مؤقتة؛ بل عن شركاء موثوقين يشاركونها الرؤية ويدعمون نموها ويسهمون في بناء منظومة صناعية متكاملة في السوق الجديد؛ حيث تبحث الشركات العالمية عند دخولها إلى أسواق جديدة مثل الشرق الأوسط، عن شراكات استراتيجية متوازنة تتجاوز مفهوم الاستثمار التقليدي، وتركّز على الاستدامة وبناء القيمة طويلة المدى، مبينة أن أول ما تسعى له الشركات العالمية هو "شراكات تقوم على تقاسم المخاطر والمنافع، وتوفر بيئة موثوقة لحماية الملكية الفكرية، وضمان استمرارية العمليات، خاصة في الصناعات عالية الحساسية مثل أشباه الموصلات"، وبتالي تطمح إلى بناء شراكات مع جهات حكومية ومؤسسات تنظيمية تضمن وضوح السياسات، واستقرار الأطر التشريعية، وسهولة ممارسة الأعمال على المدى البعيد، كما تولي هذه الشركات أهمية كبيرة للشراكات مع القطاع الخاص المحلي القادر على توفير المعرفة بالسوق، والدعم التشغيلي، والتكامل مع سلاسل التوريد المحلية، إلى جانب شراكات مع المؤسسات الأكاديمية ومراكز البحث لتطوير الكفاءات، ونقل المعرفة، وبناء منظومة ابتكار مستدامة.
وتؤكد الحضرمية أن الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء ستقود طفرة غير مسبوقة في الطلب على الرقائق خلال السنوات الخمس القادمة، ليس من حيث الكمية فحسب، بل من حيث التعقيد والقيمة التقنية؛ فالتوسع السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مثل النماذج التوليدية، وتحليل البيانات الضخمة، والأنظمة الذاتية، يتطلب شرائح متقدمة ذات قدرات حسابية عالية وكفاءة أكبر في استهلاك الطاقة، مضيفة أن نمو مراكز البيانات والحوسبة السحابية والحوسبة الطرفية سيعزز الطلب على رقائق متخصصة تشمل المعالجات المتقدمة، ووحدات التسريع، والذاكرة عالية الأداء، ما يدفع الشركات إلى تسريع الابتكار وتوسيع استثماراتها في مختلف مراحل سلسلة القيمة
وتقول إنه خلال السنوات المقبلة، سيصُبح الذكاء الاصطناعي أحد المحركات الرئيسية لإعادة تشكيل صناعة أشباه الموصلات، مما يفتح آفاقًا واسعة أمام الدول القادرة على مواكبة هذا التحول والمشاركة في تلبية هذا الطلب المتسارع.
وتضيف الحضرمية، أن الاستدامة واستهلاك الطاقة أحد أكبر التحديات الحقيقية أمام توسع مصانع أشباه الموصلات عالميًا؛ كما أنها أصبحت عاملًا حاسمًا في قرارات التوسع والاستثمار، وليس مجرد اعتبارات بيئية ثانوية، وذلك باعتبادها أحد أكثر الصناعات كثافة في استهلاك الطاقة والمياه، مؤكدة أنه مع تزايد الطلب على الرقائق المتقدمة تتضاعف الحاجة إلى مصادر طاقة موثوقة ومستدامة في آنٍ واحد، ولهذا باتت الشركات العالمية تعيد النظر في مواقع مصانعها بناءً على قدرة الدول على توفير طاقة مستقرة، وتكاليف تنافسية، وحلول منخفضة الانبعاثات، إلى جانب كفاءة إدارة الموارد.
وترى الحضرمية أن الاستدامة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الاستراتيجية التشغيلية، سواء من خلال الاعتماد على الطاقة المتجددة، أو تحسين كفاءة العمليات، أو الاستثمار في تقنيات تقلل البصمة الكربونية على المدى الطويل، وأنه بناءً على ذلك تتحول الاستدامة من تحدٍّ إلى فرصة استراتيجية للدول التي تمتلك رؤية واضحة في مجال الطاقة النظيفة والبنية الأساسية الخضراء، حيث يمكنها جذب استثمارات نوعية في قطاع أشباه الموصلات، وتحقيق توازن بين النمو الصناعي والمسؤولية البيئية، وهو التوازن الذي بات مطلبًا أساسيًا في مستقبل هذه الصناعة.
وتعتبر أخصائي أول استثمار تقني بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، أن من أخطر التحديات غير المُعلنة التي تواجه التنفيذيين في صناعة أشباه الموصلات اليوم إدارة عدم اليقين طويل الأمد في بيئة تتغير بوتيرة أسرع من دورات الاستثمار نفسها، وبتالي فإن قرارات هذه الصناعة تُبنى على استثمارات ضخمة تمتد آثارها لعقود، بينما تتبدل المعادلات الجيوسياسية، والتجارية، والتقنية خلال فترات زمنية قصير، لافتة إلى أن تحدي الموازنة يعد من التحديات التي تواجه الصناعة أيضا، إذ تُجبر الشركات على تسريع الابتكار وتوسيع القدرات الإنتاجية لتلبية الطلب المتنامي، دون الإخلال بجودة المنتجات أو أمن الملكية الفكرية.
وتقول الحضرمية: "تواجه القيادات صعوبة متزايدة في استقطاب المواهب المتخصصة والاحتفاظ بها في سوق عالمي شديد التنافس على الكفاءات النادرة، وهناك تحدٍ آخر يتمثل في تنسيق سلاسل توريد شديدة التعقيد عبر دول متعددة ذات أطر تنظيمية مختلفة، مع الحفاظ على الامتثال والمرونة في آنٍ واحد، والتحدي الحقيقي للتنفيذيين اليوم هو في القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية متوازنة وسط قدر كبير من الغموض والمخاطر المتداخلة".
وتبيّن "إن أبرز الأخطاء التي يقع فيها صُنّاع القرار في الدول الصاعدة عند الدخول في قطاع أشباه الموصلات، هو الاندفاع نحو مشاريع ضخمة بدافع الطموح أو الرمزية السياسية دون جاهزية واقعية أو رؤية متكاملة؛ حيث إن هذه الصناعة لا تُبنى بقرارات سريعة، بل تتطلب تخطيطًا طويل الأمد، وفهمًا دقيقًا لتعقيدات سلسلة القيمة، وحسن اختيار نقطة الدخول المناسبة، والنهج الأكثر استدامة يتمثل في البناء التدريجي للمنظومة، بدءًا من تطوير الكفاءات البشرية، وبناء الشراكات الدولية، واختيار الأنشطة التي تتوافق مع المزايا التنافسية الوطني،. كما أن تجاهل عنصر الاستمرارية في السياسات والدعم المؤسسي يُعد من الأخطاء الجوهرية التي قد تُفقد ثقة المستثمرين على المدى المتوسط".
